حيدر حب الله
191
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
عندهم ، وعليه فمصحّح الخبر هو السند وخصوصيات رجاله ، وهذا معناه أن الصحّة عندما تطلق في كلمات المتقدّمين منسوبة إلى الخبر نفسه فهي تعني صحّة السند « 1 » . وتنبّه النوري في محلّه ، إلّا أنّه يثبت أنّ الطوسي يرى وصف الصحّة مسندا تارة إلى المضمون وأخرى إلى الخبر نفسه ، وأن قرائن الطوسي تعني صحّة المضمون ، لكن هذا لا يعني أن اعتماد الطوسي على الخبر الظني كان لأجل خصوص عنصر العدالة أو الوثاقة في الرواة بوصفه العنصر الأوّل كما شاهدناه مع العلامة ، فلربما كانت صحّة الخبر عنده تعني يقينيّته لعناصر أخرى أو جواز العمل به لقيام إجماع الطائفة عليه ، بناء على نظريّة الطوسي في الأخبار . وبعبارة أخرى ، إنّ أخذ المتقدّمين عنصر الوثاقة لا يعني أنّه المرجع الغالبي في تقويم الأحاديث ، كما هو الحال مع أنصار مدرسة العلامة الحلّي ، بل يعني أن الوثاقة كان لها إسهام في تحصيل الخبر اعتباره ، إلى جانب عناصر أخرى ، مما يعني أنّ السند ليس هو المعيار النهائي ، لاحتمال اعتمادهم على الرواية الظنية حتى مع عدم إحراز وثاقة رجالها ، فيما لو قامت الأدلّة على عمل الطائفة بأصل من الأصول لسبب ما ولو كان شهادة بصحّة ما في هذا الأصل مع عدم إحراز اتصاف راويه بالعدالة . بل لنا أن نسجّل ملاحظة أكثر تطويرا بالقول : إن الطوسي ميّز بين صحّة الخبر وصحّة المضمون لكن من قال : إنّ صحّة الخبر عنده رهينة السند ، فهذا ما لا تفيده كلماته ما دامت الاحتمالات مفتوحة . ويحاول النوري إقامة جملة شواهد على أنّ المتقدّمين قد أطلقوا الصحيح على خبر الثقة ولو كان غير إمامي قائلا : « لا يبعد بعد ملاحظتها دعوى الاطمئنان بانحصار مصطلحهم فيه ، فتنحصر الأعميّة في دخول الموثق في الصحيح عندهم » « 2 » ، لكنّ هذا الكلام مناقش فيه من زاوية بحثنا هنا ، فإذا أطلقوا الصحيح على مطلق الثقة فليس معنى ذلك تكوّن مفهوم التقسيم الرباعي عندهم ، وبعبارة شاملة ، إنّنا نبحث هنا تارة عن أنّ منهج القدماء هل كان منحصرا في نظام القرائن ولو أفادت الظن أم لا ؟ وأخرى هل أن منهجهم قائم على التنويع الرباعي ، بحيث كانت فكرة الوثاقة والعدالة والإمامية حاضرة في العمل النقدي للأخبار ولها موازينها الخاصة كتلك التي يشير إليها صاحب منتقى الجمان أو صاحب مشرق الشمسين أو غيرهما مما سنأتي على ذكره أم لا ؟ فهنا نقطتان لا بدّ من فصلهما ، والأولى منهما على تماس مع كبرى قول المتقدمين
--> ( 1 ) - المصدر نفسه 7 : 39 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 41 .